الشريف المرتضى

519

الذخيرة في علم الكلام

جعلتم ما يلغى هو العفو دون التوبة وزيادة الثواب ؟ فان قالوا : قد بنيتم طريقتكم هذه على صحة اسقاط العقاب ، وليس يخلو اسقاطه من أن يقع قبل المعصية أو في حالها أو بعدها ، ولا يجوز أن يكون واقعا قبلها ولا في حالها ، لأن الاسقاط تصرف في الحق وفي مقابلته الاستيفاء ، فكما لا يحسن الاستيفاء قبل المعصية ولا في حالها ، لا يجوز الاسقاط . وان كان الاسقاط بعد المعصية فقد علمنا أنه لا أحد من المكلفين إلا وهو مقطوع إذا سرق وأصرّ على وجه الجزاء والنكال ، وكذلك كل زان مصرّ يحدّ على سبيل العقوبة ، فلو جاز العفو لقدح فيما تقرر من الاجماع . قلنا : أما اسقاط الحق قبل ثبوته فغير جائز ، غير أنه يمكن أن يقال إنه مانع من ثبوت الحق مستقبلا ، ويجري مجرى قول القائل لغيره « كل حق أستحقه مستقبلا عليك فقد وهبته لك » . ولا معنى للمضايقة في هذا القسم ، وانما الكلام كله معهم في اسقاط العقاب بعد وقوع المعصية . والذي ادّعوه من الاجماع في قطع السراق وجلد الزناة فيه من المرجئة كل الخلاف ، لأنهم لا يقطعون نكالا ولا يجلدون عقوبة إلا من علموا استحقاقه للعقاب ، وان العفو ما أسقطه عنهم ، ويجرون قطعه من غير علم بسقوط العقاب عنه بالعفو مجرى قطعه مع تجويز كونه تائبا . ولا خلاف بيننا وبينهم في أن المشهود عليه بالسرقة أو الزنا والمقرّ بهما لا يحدّان على وجه العقوبة والاستحقاق ، لأنا لا نأمن أن يكون الباطن بخلاف الظاهر . فان قالوا : قولكم يؤدي إلى تعذر قطع سارق على سبيل العقوبة ، لتعذر الشرط الذي راعيتموه . قلنا : لو لم يكن معرفة ذلك على ما ادعيتم لم تخرج آية القطع من أن تكون مفيدة ، لأنها انما تدل على استحقاق العقوبة فيمن كان على الصفة المخصوصة ، ولا يقدح في ذلك فقد طريق لنا إلى العلم بالشرائط .